ابن حزم
406
الاحكام
ألفاظ مختلفة معناها واحد ، وإذا كان ذلك فلا فرق بين استثناء ثلاثمائة من ألف لأنها بعض الألف ، وبين استثناء تسعة وتسعمائة وتسعين من الألف أيضا لأنها بعض الألف ولا فرق . فإن قال قائل : إن ربك ألف غير تسعمائة وتسعة وتسعين إذا كان ذلك بمعنى واحد ، قيل له وبالله تعالى التوفيق : لو عقلت معنى تسمية ربك تعالى لم تسمنا هذا ، ونحن لا يحل عندنا أن نقول : إن الله تعالى فرد ولا أنه فذ ولا نقول إلا واحد وتر كما جاء النص فقط ، لان كل ذلك تسمية ، ولا يحل تسمية الباري تعالى بغير ما سمى به نفسه ، ومن فعل ذلك فقد ألحد في أسمائه ، وهو تعالى ليس عددا وإنما يسمى ما دونه واحدا على المجاز وإلا فليس في العالم واحد أصلا لان الواحد الذي لا يتكثر البتة ، وليس هذا في العالم البتة حاشا الله تعالى وحده ، وبالله تعالى التوفيق . فإن قال قائل : فأخر استثناء الجملة كلها ، قيل له : هذا لا يجوز ، لأنه كان يتكون أحد الخبرين مبطلا للآخر ، ومكذبا له كله ، لأنه إذا قال : أتاني إخوتك إلا إخوتك كأن قد قال : أتاني إخوتك لم يأتني إخوتك ، وهذا تناقض وتكاذب وخلف من الكلام ، ومحال لا يجوز أصلا ، وليس هذا المحال موجودا في استثناء الأكثر من جملة يبقى منها الأقل ، ولا في استثناء الشئ من غير جنسه ، ألا ترى أنك إذا قلت : أتاني إخوتك ، ولم يأتني بنو عمك ، وأتاني إخوتك ، ولم يأتوني كلهم لكن بعضهم ، فهذان الخبران صدق إذا صدق فيهما ، والاخبار بهما صحيح حسن ، فهذا فرق ما بين استثناء الجملة كلها وبين استثناء أكثرها ، واستثناء الشئ من غير جنسه . وقد قال قائلون : إن من لفظ بعموم في خبره ، فلا بد له أن يبقي - إن استثنى من جنس تلك الجملة - ما يقع عليه اسم عموم ، ولم يجوزوا أن يقول القائل : أتاني إخوتك ، لم يأتني كلهم ولكن أتاني واحد منهم ، وقالوا : إن الآتي ليس إخوة ولكنه أخ ، فلا يستثنى إلا بأن يبقى ثلاثة فصاعدا .